السبت، يونيو 15، 2013

الصراع الطائفي في الشرق الأوسط : النار التي تخمد


لعل في أحداث الشرق الأوسط الحالية ، صفعة كبيرة لكل مسلم ينام ويأكل ويحمد الله على هذه الأرض...التي لطالما قيل عنها أنها أرض طيبة .


* الأرض الطيبة :

الأرض الطيبة الممتلئة بالكنوز ، بدءا من الشمس وانتهاءا بالجنون ، هي أرض طيبة لجميع من ينوي الثراء ...على حساب غيره .

وهي كذلك أرض ممتلئة بالطوائف والفكر المتعارض الذي ينوي قهر بعضه.


فلو أن المتابع لتاريخ الشرق الأوسط يتعرض لنكسة نفسية  جراء أزمة عاطفية ، فأن نكسته النفسية لن تكون أكبر من فجائع الأرض التي تتفجر في كل مكان في أرض ترقد على النفط والغاز واللامنطق.

ما الرابط بين كوننا شعوبا عاطفية تصاب بأزمات وهيام وتيه ، وبين أرضنا التي ترتج نفطا وذهبا وأشياء أخرى.

أنه الرابط العجيب : النار.


فالنفط ينتج نارا ....العاطفة تنتج نيرانا....الطيبة تنتج نيرانا ..الطائفية تنتج نيرانا ..والأهم أن لكل شئ نهاية.


* نهاية النفط أم نهاية العرب أم نهاية الأرض أم نهاية الطائفية  :

هل سينتهي النفط ، أم سينتهي العرب في صالح عرق آخر ، أم ستنتهي النار الطائفية؟


ان قراءة واقعية لكيفية تقدم العالم ، لربما تجعلني أضرب بنرد في الفراغ كعرافة دلفي متنبئة بنهايات لأشياء كثيرة ليس من بينها العرب الذين يبلغ تعدادهم 348,755,830 ، ان هذا بعد رقم كبير لا يمكن اقناعه بأنه العرق الأدنى ، أو بأنه عرق لا يتمتع بالذكاء ، أو بأن العرب لهم مصير مشؤوم ، 

فان افترضنا جدلا أن الحرب الاعلامية والآلة الحبوبة التي تسعى ليلا نهارا لاقناع العرب بأنهم كذلك قد تكون ناجحة مع بعض الأشخاص ذوي الذكاء المنخفض ، الا أنها حتما لن تنجح مع بقية العرب....فكم شخص أهبل يوجد وسط هذا التعداد ...لعلهم لا يتعدون 10 ملايين على أحسن تقديرات المتفائلين الحالمين بالثروة العربية في أيديهم.....أوبس...

ثم أن هناك عامل مهم لن يكون الا عاملا يضرب غم بغم لمن يحلم بأن يتهنى بما ليس له في أرض ليست له من ثروات ليست له ، متحكما بمصير بشر لا يملك صك ملكيتهم.

ان ما يضرب البعض غما بغم ...ان العالم فعلا يتغير بسبب التكنلوجيا .


* لعنة التكنلوجيا المباركة.

التكلنوجيا الجميلة التي لخبطت حياتنا ، هي ذاتها التكنلوجيا المباركة التي ستدفع بالعربي المسلم في الشرق الأوسط الى أجمل مراحل حياته.

ان هذه التكنلوجيا بوسائل اتصالاتها خلقت " الربيع / الجنون العربي " ....

وهي بالذات ما ستساعد العربي لتخطي مرحلة "الخرف "العربي ، لمرحلة " الاستقرار " العربي...فلا شئ يبقى على حاله ، ان هذا درس التاريخ ودرس الحياة ودرس يدركه كل عاقل ...لا شئ يبقى على حاله.

اليوم يبصر كل عربي بأعين تستخدم التكنلوجيا و " تحلل " بأن الاسلام يتم استغلاله ، وبأن مشاعرهم الدينية النارية قد تورطهم ، وبأن تاريخ العربي الماضي لم يعد مجيدا جدا كي يعاد ، فقد قتل أخ هذا وأب ذاك...وأن هذا الرؤية الطائفية تجعلهم في عداء مع أقوى وأكبر جيرانهم ....

ومن بعد يريد أن يموت !! 


ان رغبة الانسان في الحياة أعمق أثرا من أي رغبة أخرى.

وان من يراهن على انتصار " الفكر " الديني أو أي فكر كان ، على غريزة البقاء ، لهو مراهن على خسارة.


ان غريزة البقاء ستؤدي حتما بالعربي الى تطوير آلية دفاع جميلة ، وأني أرى هذه الآلية تنبثق في المكان من كل أرجاء هذه الأرض الطيبة.

وأني ألمح ذلك وأبتسم .

حسنا هي هي عرافة دلفي ترمي بقطع اللبان في النار....


افعلوا هذا ..استغلوهم......وسيتحررون....
فالفكر الذي يؤدي الى موت أحدهم ، سيغيره الآخر كي يبقى......

شكرا لكم.

الأربعاء، مارس 13، 2013

الانسان ....مخنوقا ...


لن نتحدث اليوم عن الأخوان ، كلا ...كلا..تمرمرنا ...طفرنا.....طهقنا ،

لن نتحدث كذلك عن الرأسمالية ولا عن شعورنا تجاه أمريكا ، هل نحبها أم نكرهها ..لقد صرنا في عذاب وحيرة ...أف

نو نو نو ...لن نتحدث عن عصر الأنوار متفجرا من التاريخ مهرولا نحونا ، صافعا وجوهنا : هاااااااااااه ...هل صحيتم أم بعد !! 

هناك ربيع في الانتظار..

كلا هذه المرة على الربيع أن ينتظر..ريثما نتفاهم مع الخريف...وهناك أيضا الصيف القائض ..والصداع...

أمممم...حسنا.

و لن نتحدث كذلك عن العواطف حين تتغلغل كالمسامير تحت جلدنا ، فتخترق كياننا وتحيلنا رملا يتناثر ، سنحمحم ...قليل من الماء فقط ونصير طينا....قليل من الصبر والقيم ولفة اليدين فوق بعضهما : ونصير ساكنيين ....ششششش ساكنين كالموتى ...

سنمنح أنفسنا وقتا مختصرا للسخرية من العاطفة ومن جلدنا ، من قال أن الانسان يمكن له أن يحب !! الحاسب الآلي وحده يعرف أن بعد التحليل العميق : الحب مجرد خرافة...لا علم يثبتها...هرمونات وكثير من العقد...

لن نتحدث عن شمة حمدان التي لا نفهم لماذا ترتدي ثوبا رجوليا وتتغنى بالعاطفة الأنثوية ، لعلها ..لعلها عبارة أخرى لا نفهمها ولن نفهمها مطلقا ، من منتجات عصر النفط والعاطفة المحمحمة...

ولن نتحدث عن الأوبرا كذلك ، أريحوا ضمائركم...بل أريحوا تعبكم ، لقد صرنا نقضم التفاح كي ننسى وجع القلب هذا...أف



حسنا...

الانسان ...

الانسان هو ما سنتحدث عنه.

سنتحدث عن الانسان ...

عن الوجه البسيط الذي يرتدي ألف قناع وألف ستار...

سنتحدث عن الانسان قليلا...سنتحدث عن الانسان هذه المرة...

لعل مرة ..مرة واحدة.....نلقي بأقنعتنا ونرى أنفسنا ، كائنات بسيطة بحكم الجينات ....كائنات بسيطة تهرب من عقد التاريخ......




لعلك مشيت في يوم ، مثقلا بالكثير من الأفكار النيرة والكثير من الافكار المجرمة والافكار التي في النص نص ..وأفكار بلا معنى لا تدري حتى لم تفكر فيها...

وكنت تقود سيارتك ...نحو مكان ما ، لم تعد تعرف حقا لم لا زلت تذهب اليه 

حسنا..

كنت أقول ، 

لعلك كنت تمشي في طريقك ذلك ...واذ تلمح شخص تعودت أن تراه في طريقك نحو شئ ما ، تشعر بشئ لا يقع تحت خانة محددة حقا ، تلمح وجه يعبق بالألفة ، فينفتح قلبك :


لو لم تكن ملفوفا بألف قناع ، لربما فكرت بالسلام عليه : هيه ...أنت...كيف حالك اليوم ؟ 

لعلك قلت له ببساطة وهدوء ....أنا أشعر بالألفة تجاهك ، أنت لست شخصا غريبا بعد عني ، هنا حيث يجمعنا شارع وصدف كثيرة ...صرت جزءا من ذاكرتي...

لكنك لا تستطيع ذلك...أنت فقط لا تستطيع.

فهناك مئة ألف عذر تم اختراع عبر التاريخ ، يمكن أن يبقيك جامدا في مكانك.

فقد يفهم أنك تريد منه شيئا مجرما ...ربما تريد جره نحو مصيبة ...لعلك تخدعه ...لعلك تريد السخرية منه ....


وحينها ستتردد ...ويغوص الانسان فيك الى الأعماق ، وتلتف حولك أشجار سوداء ، ويأكلك التاريخ...بل يقضمك التاريخ رويدا :


في الاولى ...يشعرك بأنه تافه لأنك تفكر أن ربما قد يجمعك شئ بانسان ...لا يقع تحت خانة محددة ...لا خير ولا شر.

وفي الثانية ...يشعرك بأنك مجرم لأنك تستلطف انسانا ما....


وفي الثالثة ...يجرك من شعرك جرا ويخبرك بأنك كائن سئ لأنك تهتم بانسان آخر...

وفي الرابعة يقضي عليك : خليك عاقل .... والزم قناعك...فالناس لا يستلطفون بعضهم الا حين ينوون شرا من بعضهم...

وفي الأخيرة يدفنك :

عد يا حيوان ....الى قفصك ...

ارتد قناعك ..وتوكل.

الجمعة، فبراير 08، 2013

في البيت أخيرا



كانت دوما لدي نظرية ..لم تقبل حقا القسمة على أكثر من واحد أبدا ...وهذا الواحد هو أنا  ..وبذلك افتقدت آراء الآخرين أي سلطة علي فعليا ....كنت أسمع آراء الآخرين لكني أسمعها فقط كما أستمع الى كاسيت موسيقى...لم تغير آراء الآخرين رحلة حياتي ..لم تغير قراراتي..لم أفعل مطلقا يوما ما أراده الآخرون ..وان اختياري للتربية بناءا على آراء غيري  كان الغلطة الحقيقية الوحيدة في حياتي وقد ظهر أنها كانت الأسوأ....لقد كرهت حقا الفتاة التي أقنعتني بأن التربية هي خيار الفتيات الأفضل..اليوم أتمنى لو أني لم ألتقها يوما...

منذ ارتكبت أكبر خطيئة لي في حق نفسي ...يومها.

توقفت بالمطلق عن الانتباه للآخين باعتبارهم موجودين حقا لقيادتي....لقد قدت نفسي وحسب طوال هذه المسيرة.

ان رحلتي في كتابة الأدب بدأت منذ كنت طفلة أشب بين الورد ، لقد زرع لنا أبي وردا كثيرا في البيت ، فنشأت بين الورد والورد....نشأت بين حقل وزرع وخضرة ..وحيثما شرد نظري تلقفتني شجرة البيذام وطوقني عطر زهر الليمون...

هكذا شببت لأصير شخصا مستقلا معتدا ...اعتبرني الأغلب من الناس مغرورة..وقد كنت أفهمهم وقد تقبلت الأمر ... لكني رغم ذلك كنت أراه اعتداد بذات تصر على أن تكون رغم ارادة الآخر ... لم أستطع ذبح ارادتي لأصير " نسخة"....

هذا أيضا كان قراري الأدبي...

لم يمكنني مطلقا كتابة اي شئ...لأن الآخرون يفهمونه وحسب.

لم أستطع كتابة ما يحبه الآخرون كذلك.

ولم أستطع فعل ما فعله الكثيرون حين صاروا صوت الناس المعذبين والمهموين ...كنت أرى في حياتي شيئا أكبر من أصير صورة مجددا لارادة غيري...كلا...ليس هذا ما أريده..لا أريد أن أصير صدى...

أريد أن أكون.....

كنت أكتب بروحي...بتطلعي العميق الى الحياة ...كنت ولا زلت أرى نفسي ذات العين التي ترقب العالم من فوق ...من فوق شجرة الزيتون ...ومن بين أوراق الزهر.

أفهم اليوم ...أفهم اليوم وحسب لم ظللت أرفض أن أكتب في زمن الخسارة ....

ان زمن الخسارة كان هو الزمن الذي كنت فعليا أمشي بارادتي وتلفني الحيرة فيما افعل : هل هو صحيح !! هل أنا على حق !! هل هذا هو ما يفترض أن يكون !!

نعم ...توقفت عن الكتابة ..حين كنت أخسر.

وحالما بدأت بالكسب...عدت الى الكتابة.


لا يمكن لانسان أن يكتب ب" اخلاص " حقا...الا حينما يستعيد نفسه.

ربما حين أتحدث عن السيد الذي يعود الى بيته ...فأنه ولا بد أول ما كتبت بعد العودة الى نفسي...حيث لم أعد حائرة حول اذا ما كان ما أفعله صحيح أم لا...هل هو واجب أم لا...

أنا أعلم اليوم ...

أنه صحيح حتما.

لانه اختياري.....

الأربعاء، فبراير 06، 2013

السيد الذي عاد الى بيته ....


الليل والقمر و السماء ومعاطف الفرح تأخذ وقتها كاملة كي تشع في المكان.
الأزمنة تتدثر بالحب والسكر والألق ، الحديقة تضئ وردا..........
لا يأتي الحب متأخرا أبدا ، ولا يتقدم عن زمنه مطلقا ، في اللحظة التي تبلغ فيها القاع يمد يده لك ، تراه ، تحسه ، يحملك وتحمله ...........الى جنة ما.

/
في عمره هو الأربعيني تشع عيناه ، وقارا وحنين ، في ليله اليتيم تنير افلاك من وهج ، ها هو يتجدد ، كما يتجدد الكون لحظة خلق ، لا شئ يعيقه اليوم ، لا الحزن ولا البكاء ، خارقا للعادة ، عظيما ، يكاد يصير خالق.

يعود الى بيته .......

قال لحارسه أنه لم يعد يحتاج حماية ، قال للخادمة الصفراء أن عليها أن ترتاح ، ابتسم للجميع ، حمل شاله الشتوي ، لفه حول رقبته ، ومضى في ليل البرد مدججا بالوهج والاستعداد.

-         أخاف عليك يا بني من الزمن "........

صوت أمه يتسلل من بين أروقة الجدران والنخيل ، يمر في المكان حيثما كان ، حيثما كان يتكون ليصير رجل أعمال ، حيثما لاحقه الأسى والأمل والكثير من الأحمال....هنا كان طفلا...وهنا حيث لم يعد منذ آخر عشر سنين.

لم يعد يتذكر ...لم يعد يتذكر الكثير غير أنه لا زال لا يفهم كيف سار الزمن كيفما سار.

المدينة الصغيرة ، والده القوي ، رحلة اعداد رجل ليصير مفترسا ، كل شئ كان يجري هنا ، ها هو ظل والده يخرج من الزمن اليه : - " اياك أن تبكي الرجال لا يبكون ولا يتألمون " ، يد والده ، البطش ، الجروح ، والدمع الحبيس.

-         سأصير رجلا يا أبي ".....
-         أنت الآن رجل يا بني ".........

ها هو ظل الطفل ذو العينين البنيتين يحدق في الفراغ و الى والده ، عيناه كبيرتان و حائرتان ، يردد دون هدف :
- " أنا رجل يا أبي"...." أنا رجل يا أبي "

كان يتقدم في الممر المحاط بالزرع الكثير والنخيل الصامت والليل البسيط.

كان يسير في الممر بداية الليل ، و عند تقاطع الذكرى والأمل والصدف.

ظل أخته يخرج اليه من بين النخيل       ضاحكة و صامتة ، لم تكن تتكلم ، وجهها يعبر عن كل شئ ، في الفرح تضحك ، في الجرح تضحك ، في آخر الربيع وأول الشتاء تضحك ،  ما لبث أن غاب صوتها وجهها روحها في الزمن ، هز رأسه " يرحمها الله "....نكس وجهه ، سالت دمعتان على خده ، هتف في أعماقه " لم يا أبي .....لماذا.....لأي شئ يا أبي  ".

وجه خاله يقفز اليه من بين الجدران والممرات والنخيل...بصوته المشبوب بالشبق والخوف:
-         يجب أن تتزوج يا أحمد ، لا يجوز أن تبقى عازبا ، فالرجال ينجبون أطفالا كثر ..هكذا يخلد ذكرك ".

صور أبنائه الثلاثة تضئ أمامه ، يقف ، يتجمد مكانه ، يترنح خطوات للخلف ، معلقا بين الجرح وبين الممر ومشهد النخيل الكثيف ، يغرق في لجة ضباب و ظلام ، يبحث عن نور الشارع ، يرفع رأسه ، لا مصابيح ولا ضوء قمر ، تزداد عتمة المكان ، يحاول أن يجد جذع شجرة كي يتكأ عليه ، وهن يقتحم جسده ، رائحة الهزيمة تتفجر في كل خلاياه دفعة واحدة .....

/

الليل والقمر و السماء ومعاطف الفرح تأخذ وقتها كاملة كي تشع في المكان.
الأزمنة تتدثر بالحب والسكر والألق ، الحديقة تضئ وردا..........

لا يأتي الحب متأخرا أبدا ، ولا يتقدم عن زمنه مطلقا ، في اللحظة التي تبلغ فيها القاع يمد يده لك ، تراه ، تحسه ، يحملك وتحمله ...........الى جنة ما.

/

رائحة الهزيمة تتفجر في كل خلاياه دفعة واحدة ، زمن الأحلام الذي كان ، الشاطئ والقصر المعمور بالهدوء والتعود والسعادة المتمهلة ، كل شئ كان جيدا وصامتا في ذات الآن ، لا حزن ولا توهج ، يعود الى قصره مساءا ، يفتش في أوراقه ولا يعيش كثيرا ،  ساعات هي يعيشها ، موجودا قليلا ، غائبا قليلا ، ساعات هي ينظر فيها الى وجوه أطفاله ، ينسى أوراقه و صفقاته وأحلامه الكبيرة قليلا ، ثم سرعان ما يعيشها حنينا ما أن يهرع دون تردد الى أوراقه وأمواله مجددا ، كان سيدا ، سيدا قويا بعائلة وثلاثة أطفال ، قصر كبير وخدم كثر ، زوجة لم يفكر فيها كثيرا ، وأحلام عظيمة.

لم يعد هناك ما يمكن فعله الآن ، النخيل والممر المظلم يزداد عتمة ،قصره يتفتت أشلاء ، أبنائه ، تعوده ، سعادته المتمهلة ، كل شئ يتفتت في الظلام ، يذوي في عدم ، لم يعد هناك شئ ، لم يعد هناك شئ مطلقا ....

لم يعد يتحرك ، لا يسير للأمام ولا ينوي العودة الى الوراء ، لا ضوء يشع في عينيه ، لا وهج ، أصوات أمه والده خاله أخته أبنائه زوجته ، صوته ، كل شئ يتماهي في الظلام ، لا يرى شيئا ، لا يدرك شيئا ، يغووووووص نحو لا شئ.

/
الليل والقمر و السماء ومعاطف الفرح تأخذ وقتها كاملة كي تشع في المكان.
الأزمنة تتدثر بالحب والسكر والألق ، الحديقة تضئ وردا..........
لا يأتي الحب متأخرا أبدا ، ولا يتقدم عن زمنه مطلقا ، في اللحظة التي تبلغ فيها القاع يمد يده لك ، تراه ، تحسه ، يحملك وتحمله ...........الى جنة ما.

في العتمة الكبيرة يقف مشتتا ، في العتمة الكبيرة يلوح له شالها المنير ، تلبس شالا يتلألأ رغم العتمة الشديدة ، يرفع رأسه ، تسقط دمعتان حارتان على خده...

يتسلل صوت هامس اليه :

-         هل وصلت أخيرا "؟

صورة أبنائه يذوون في الحادث ، صراخهم ، رحيلهم ، صورة زوجته وهي تغيب في العدم معهم ، صور كل شئ وهو يتكسر ، يتبعثر ، صورة  أباه صورة أخته صورة أمه صورة خاله ، صور بيتهم ، ضحكاتهم ليلهم ، نهارهم القائض....كل شئ يمر أمامه.....

صور وحدته ، دموعه الصامتة ، غرقه نحو لا شئ.....

كل شئ يعبر أمامه ، كما ضوء يتكسر على سطح بحيرة...


كل شئ يرحل.....

يتقدم خطوة للأمام ، ترجع ذكراه للخلف سنتان بعد رحيل كل شئ وقبل تفتح شوقه اليها ، صورتها وهي تقف قرب سيارتها قائلة له : " من أنت".


ذكرى صوته وهو يرد عليها : "رجل يعود الى بيته ".....ثم يردف بعينين فاحصتين : " هل أنت من هنا " !!

.

.

.

يرفع رأسه ..يتقدم خطوة أخرى ، نور خفيف يضئ وجهه ، يتساقط على أطراف ثوبه شلال ضوئي ، يرفع رأسه أكثر ، يتقدم ، تطل عليه من باب ذاكرته ، تتسلل اليه ، تدق عليه جنونه ، يذكرها ، ها هي قبل سنتين تدق باب مكتبه ، مصدوما بالصدفة المباغته لا يزال يذكر حيرتها هي أيضا ....

.
.

يسير رويدا نحوها ، ضوء الشارع يخرج من بين أوراق النخيل ، شجر الغاف الملتف ينفلت ، هبات نسيم تطير خصلات شعره الرمادية الوقورة.

تلتمع عيناه ،


تنظر اليه ، تهمس له : " هل ضعت بالطريق "!!

يجيبها بحنين بالغ : " – كدت أفعل "..........

يمسك راحة يدها ، ترتاح راحة يده .

تسأله – " لا تغضب مني ..... حسنا "

تنظر اليه من بين أطراف أهدابها ، يبتسم ، متوقعا هجمتها التالية ، يردد :
 آهاه "....

تضم شفتيها ، تتنحنح : " هل أنا أجمل ...زوجتك الحلوة هذه أم زوجتك السابقة يرحمها الله "؟

يراها وهي تلتف كاملا نحوه كم يترقب حكما في محكمة ....

ينظر اليها ، يبتسم ........

يلتمع في السماء قمر مكتمل ، يتلألأ ضوء في المكان ، مصابيح الشارع ترسل تحياتها للمارة حوله....يلتمع خاتمان .......يتقدمها خطوة ثم يعيد النظر اليها ......

يبتسم ، في عمره هو الأربعيني تشع عيناه ، وقارا وحنين ، في ليله اليتيم تنير افلاك من وهج ، ها هو يتجدد ، كما يتجدد الكون لحظة خلق ، لا شئ يعيقه اليوم ، لا الحزن ولا البكاء ، خارقا للعادة ، عظيما ، يكاد يصير خالق.

بحث هذه المدونة الإلكترونية